ما وراء التحالفات المعلنة: كيف تحولت الممرّات البحرية اليمنية إلى اختبار نفوذ خليجي؟
لم يعد الصراع في اليمن محصوراً في معادلات الحرب الداخلية أو التسويات السياسية المتعثرة، بل بات يتقاطع بشكل متزايد مع صراعات النفوذ الإقليمي والدولي، حيث تلعب الجغرافيا البحرية دوراً محورياً في إعادة رسم موازين القوة.
وفي قلب هذا المشهد، تبرز الممرّات المائية اليمنية بوصفها أحد أهم مفاتيح الصراع غير المعلن بين قوى إقليمية كبرى، وعلى رأسها السعودية والإمارات.
التوترات السياسية الأخيرة بين الرياض وأبوظبي أعادت تسليط الضوء على هذا البعد البحري، خاصة بعد انتقادات إعلامية متبادلة كشفت عن تباينات أعمق من الخلافات الظرفية.
فالسؤال لم يعد مقتصراً على طبيعة الخلاف السياسي، بل امتد ليشمل جوهر التنافس الجيوسياسي: من يملك اليد الطولى في السيطرة على عقد الملاحة الحيوية في جنوب الجزيرة العربية؟
اليمن… الجغرافيا التي لا يمكن تجاوزها
يمتلك اليمن واحداً من أطول السواحل في المنطقة، إذ يمتد لأكثر من ألفي كيلومتر على البحر الأحمر والبحر العربي والمحيط الهندي.
هذه السواحل ليست مجرد حدود جغرافية، بل تشكل بوابة استراتيجية تمر عبرها ما بين 10 و12 في المئة من التجارة العالمية، إضافة إلى جزء كبير من شحنات الطاقة المتجهة إلى أوروبا وآسيا.
ويبرز مضيق باب المندب بوصفه القلب النابض لهذه المعادلة، إذ يشكل حلقة وصل لا غنى عنها بين البحر الأحمر وخليج عدن.
أي اضطراب في هذا الممر لا ينعكس فقط على اليمن أو دول الجوار، بل يهز أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.
من التحالف إلى التنافس المكتوم
على مدى سنوات، ظهرت السعودية والإمارات كحليفين رئيسيين في إطار تحالف دعم الشرعية في اليمن.
غير أن تطورات الميدان وتباين الأولويات الاستراتيجية أدت تدريجياً إلى بروز اختلافات في الرؤية، خصوصاً ما يتعلق بإدارة السواحل والموانئ.
فبينما ركزت السعودية على البعد الأمني المرتبط بحماية حدودها الجنوبية وتأمين خطوط تصدير النفط، أولت الإمارات اهتماماً متزايداً بالتحكم في الموانئ والمراكز اللوجستية، ضمن رؤية أوسع لتعزيز دورها كمحور تجاري وبحري عالمي.
الوجود الإماراتي في البحر الأحمر وخارجه
يشير باحثون في الشأن اليمني إلى أن الإمارات بنت خلال السنوات الماضية شبكة نفوذ بحرية واسعة، لم تقتصر على اليمن فقط، بل امتدت إلى القرن الأفريقي.
فقد استثمرت أبوظبي في ميناء بربرة في إقليم أرض الصومال، إلى جانب وجود عسكري سابق في إريتريا، ما منحها نقاط ارتكاز استراتيجية على جانبي البحر الأحمر.
هذا الحضور البحري، وفق محللين، لم يكن معزولاً عن التحالفات الدولية، إذ ارتبط بعلاقات وثيقة مع الولايات المتحدة في ملف أمن الملاحة، في سياق تقاسم الأعباء الأمنية وحماية التجارة العالمية.
عدن… جوهرة الصراع البحري
في قلب هذا التنافس، تبرز مدينة عدن بوصفها الجائزة الأكبر.
فالميناء الطبيعي الذي تمتلكه المدينة يجعلها نقطة تحكم رئيسية في الملاحة الإقليمية.
ويرى بعض الخبراء أن السيطرة على عدن تعني امتلاك نفوذ مباشر على أحد أهم الممرّات البحرية في العالم.
وقد اعتُبر انسحاب الإمارات العسكري من اليمن نهاية عام 2025 تحولاً مفصلياً، إذ رأت الرياض في ذلك خطوة أعادت ترتيب ميزان النفوذ في الموانئ اليمنية، ومكّنت الحكومة اليمنية المدعومة سعودياً من استعادة زمام المبادرة.
رؤية إماراتية مختلفة للمشهد
في المقابل، يقدّم محللون إماراتيون قراءة مغايرة، معتبرين أن الاستراتيجية الإماراتية لا تقوم على التنافس الصفري، بل على التكامل الإقليمي.
فمن وجهة نظرهم، تمثل عدن البوابة الجنوبية الطبيعية لليمن، فيما تشكل أرض الصومال نقطة لوجستية مقابلة تسهم في تنويع المسارات وتقليل الضغط على الممرّات التقليدية.
ويؤكد هذا الطرح أن تحسين الخدمات والبنية التحتية على جانبي البحر يسهم في تقليص نشاط القرصنة والتهريب، ويعزز التنمية المحلية، ما ينعكس إيجاباً على أمن الملاحة الدولية.
السعودية وأمن الطاقة
بالنسبة للسعودية، ترتبط الممرّات البحرية اليمنية ارتباطاً وثيقاً بأمن الطاقة.
فجزء مهم من صادرات النفط السعودية يمر عبر البحر الأحمر وباب المندب، ما يجعل أي تهديد لهذا المسار مسألة أمن قومي من الدرجة الأولى.
ولهذا، تركز الرياض على دعم حكومة يمنية مركزية قادرة على بسط سيطرتها على السواحل والموانئ، ومنع أي قوى غير صديقة من التأثير في حركة الملاحة أو استخدام الممرّات البحرية كورقة ضغط سياسية أو عسكرية.
التجارة العالمية في قلب المعادلة
لا يمكن فصل هذا التنافس عن السياق العالمي الأوسع.
فاضطرابات الملاحة في البحر الأحمر خلال السنوات الأخيرة، سواء بسبب هجمات أو توترات إقليمية، كشفت هشاشة سلاسل الإمداد العالمية واعتمادها الكبير على ممرّات محدودة.
ومن هذا المنطلق، تحظى السيطرة على باب المندب والسواحل اليمنية باهتمام دولي متزايد، حيث تتقاطع مصالح القوى الإقليمية مع مصالح الدول الكبرى المستوردة للطاقة والبضائع.
هل خرج التنافس إلى العلن؟
رغم أن الخلافات ظلت لفترة طويلة ضمن إطار غير معلن، فإن التصعيد الإعلامي الأخير أشار إلى أن التنافس بات أكثر وضوحاً.
ويرى مراقبون أن هذا التحول يعكس مرحلة جديدة من إعادة التموضع الإقليمي، حيث تسعى كل دولة إلى تثبيت مصالحها الاستراتيجية بشكل أكثر استقلالية.
ومع ذلك، لا يعني هذا بالضرورة تحول التنافس إلى صراع مفتوح، إذ ما تزال المصالح المشتركة، خصوصاً في مواجهة التهديدات الإقليمية، تشكل عاملاً كابحاً لأي تصعيد غير محسوب.
تداعيات محتملة على اليمن
بالنسبة لليمن، يحمل هذا التنافس وجهاً مزدوجاً.
فمن جهة، قد يسهم الاهتمام الإقليمي بالممرّات البحرية في تعزيز الاستثمار في البنية التحتية الساحلية، وتحسين الخدمات في الموانئ.
ومن جهة أخرى، يخشى يمنيون من أن يتحول بلدهم إلى ساحة صراع نفوذ طويلة الأمد، تُدار فيها المعارك بالوكالة على حساب الاستقرار الداخلي.
ويرى محللون أن مستقبل اليمن البحري سيعتمد إلى حد كبير على قدرة الدولة اليمنية على استعادة سيادتها، وبناء مؤسسات قادرة على إدارة هذه الممرّات بما يخدم مصالحها الوطنية أولاً.
بين الاقتصاد والجيوسياسة
تتجاوز أهمية الممرّات البحرية اليمنية البعد العسكري لتشمل الاقتصاد والتجارة والاستثمار.
فالسيطرة على طرق الملاحة تعني التأثير في كلفة الشحن، وأسعار الطاقة، وحركة التجارة الإقليمية، وهي عوامل تؤثر مباشرة في اقتصادات الخليج والعالم.
ومن هذا المنظور، يصبح التنافس السعودي الإماراتي جزءاً من معادلة أكبر، تتشابك فيها المصالح الاقتصادية مع الحسابات الجيوسياسية.
سيناريوهات المرحلة المقبلة
في المرحلة المقبلة، يرجح مراقبون أن يستمر التنافس ضمن أطر دبلوماسية واقتصادية، مع تجنب الصدام المباشر.
وقد نشهد محاولات لإعادة تعريف الأدوار وتقاسم النفوذ بطريقة أكثر وضوحاً، خاصة إذا ما تم التوصل إلى تسوية سياسية شاملة في اليمن.
كما أن دور القوى الدولية، ولا سيما الولايات المتحدة وأوروبا، سيظل مؤثراً في توجيه هذا التنافس، من خلال سياسات أمن الملاحة وحماية التجارة العالمية.
خلاصة المشهد
تكشف قضية الممرّات البحرية اليمنية عن طبقات معقدة من التنافس الإقليمي، حيث تتداخل التحالفات مع المصالح، ويصبح البحر مسرحاً لصراع هادئ لكنه بالغ الأهمية.
وبين السعودية والإمارات، لا يتعلق الأمر بخلاف عابر، بل بإعادة رسم أدوار ونفوذ في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية.
وفي ظل هذه التحولات، يبقى اليمن في قلب المعادلة، جغرافياً وسياسياً، فيما سيحدد مسار هذا التنافس شكل الأمن البحري والاقتصادي في المنطقة لسنوات قادمة.